محمد أبو زهرة
590
زهرة التفاسير
يعامل بالقصاص والمساواة والعدل ؛ فما انتهكوه من حرمات في حق غيرهم . يقتص بمثله منهم ولا تحترم فيه حرمة لم يحترموا مثلها في غيرهم . وذلك قانون شامل يعم ولا يخص ؛ ينظم العلاقات الدولية ، كما ينظم التعامل في المجتمع الإسلامي ؛ فمن اعتدى على غيره في ماله ، أو نفسه أو بعضه ، أباح الحاكم من نفسه وماله ما أباحه لنفسه من نفس غيره وماله ؛ والمعتدى على المسلمين من الدول يعامل بقدر اعتدائه ، وبطريقة اعتدائه ، وفي زمان اعتدائه ومكانه ؛ فإن انتهك حرمة الزمان فليس له أن يستمسك بحرمتها ، ومن انتهك حرمة المكان قتل فيه ، ومن اعتدى بنوع من الاعتداء عوقب بمثله إلا أن يكون أمرا لا يحله شرع الله ، ولا تحله الطبائع السليمة ؛ كالمثلة ، وقتل من لا يقاتل أبدا - على ما سنبين إن شاء الله تعالى . وإن قضية وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ هي المعاملة العادلة التي تنظم الاجتماع الإنسانى في دوله وآحاده ؛ وليس من الفضيلة في شئ أن تغل يد الفضائل عن حرمات خصمها في الوقت الذي استباح المبطل كل الحرمات ؛ وإن ذلك ليس له معنى إلا نصر الرذيلة على الفضيلة ، وخضد شوكة الحق ليأكله الباطل ؛ وإن التسامح في هذه الحال هو شر ذرائع الرذائل ، والقوة والقصاص في هذه الحال هو حماية الفضيلة وفل شوكة الرذيلة . . . وهكذا فضائل الإسلام دائما فضائل لها شوكة وقوة ، ولا تعد التسامح الذي يمكن للباطل من أن يتغلب على الحق إلا الاستسلام والذلة . فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ هذا تخصيص بعد تعميم ، أو تفريع بعد ذكر القاعدة الكلية ، بذكر بعض القواعد الجزئية بالإضافة إليها ، أو الخاصة بالنسبة لها ؛ لأن قوله تعالى : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ قضية عامة ، كما بينا ، تعم معاملة الدول ومعاملة الآحاد ، وتنظم الاجتماع الإنسانى وتنظيم الاجتماع في الأمة الواحدة ؛ وهي قضية الفضيلة الإنسانية الموجبة التي تحمى نفسها من الرذيلة بالقصاص منها أيا كانت صورة الرذيلة ، وأيا كان موضوعها .